الشيخ علي المشكيني

57

رساله هاى فقهى و اصولى

توجّه النفس قهراً إلى عظم الأمر ، ومن علم الإنسان بأنّ التأمّل له أثرٌ في إزالة الإرادة ؛ فالإرادة الأولى وإن توقّفت على الثانية ، إلّاأنّ الثانية لم تتوقّف على إرادة ثالثة ؛ فانقطع التسلسل . وعليه فاللّازمُ أن يُقال : إنّ الأمر الاختياري هو ما يقدر الإنسان على تركه ؛ فإن كان فعلًا خارجيّاً ، فبالإرادة ؛ وإن كان إرادة قلبيّة ، فبأمرٍ آخر ، كالتفكّر والتأمّل الحاصل من غير إرادة أخرى ، غير مستلزمة للإرادة الثالثة ، وهكذا . وقوله : ( يمكن أن يقال : [ إنّ حُسن المؤاخذة والعقوبة إنّما يكون من تبعة بعده عن سيّده بتجربة عليه ] . . . ) . « 1 » هذا هو الجواب الثاني ، وحاصله : أنّ العقاب معلول للبُعد عن المولى ، وهو معلول للتجرّي المنطبق على إرادة العصيان ، وهي معلولة للميل والرغبة ، وهو معلول لخبث نفس الفاعل حيث جرّه إلى إرادة مخالفة اللّه تعالى وعصيانه ، وخبث النفس أمرٌ ذاتيٌّ ، بمعنى أنّه خُلِق كذلك ، كما خُلق ناطقاً وحيواناً ونامياً وجسماً . وكذلك المثوبة معلولة للقرب الحاصل بالانقياد المعلول عن حُسن السريرة ، وهو أيضاً ذاتيٌّ ؛ فالعقوبة والمثوبة معلولان لأمرٍ ذاتيٍّ ، والذاتي لا يعلّل . ونظير ذلك الكفر والعصيان والطاعة والإيمان ؛ فإنّها معلولات للبُعد والقُرب ، وهما معلولان لخُبث السريرة أو حُسنها . ولو قيل بأنّ : لازم هذا البيان ترتّب العقاب والثواب على الأمر غير الاختياري ، وهو باطل قطعاً ؟ قلنا : الباطل هو ترتّبهما على غير الاختياريّ المحض ، ككون قامة الإنسان كذا ، وكون لونه مثلًا كذا . أو الأمور غير الاختياريّة الخارجة عن وجود الإنسان ، كحركة الأرض . وأمّا الأمور غير الاختياريّة الراجعة إلى ذات الإنسان - ممّا له دخل في إرادته وكراهته - فلا بأس بترتّب العقاب والثواب عليها .

--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 261 . .